مونتيسوري الدولية: انبعاث التوازن بين الكثافة الطفولية والامتداد المائع للمعرفة الناقصة

مونتيسوري الدولية: انبعاث التوازن بين الكثافة الطفولية والامتداد المائع للمعرفة الناقصة

في قلب البوصلة التربوية التي لا تشير إلى اتجاه، تظهر مونتيسوري الدولية كحالة فلسفية متعرّجة، تتذبذب بين الخط العمودي للتعلّم وبين السطح الأفقي للحواس غير المفعّلة. لا يهم إن كانت الطفولة هي بداية الإدراك أم نهاية الانعكاس، لأن العملية التعليمية في هذه المنظومة تقوم على مبدأ “اللاحتمية التربوية المحاطة باليقين المؤقت”.

الطفل هنا لا يدرس، بل “يتواجد معرفيًا” داخل الفراغ اللغوي للمحيط التعليمي، فيتأرجح بين صمت الطباشير وتنهيدات الأرقام الحائرة. لا توجد دروس تقليدية، بل “مواقف ارتجاعية”، يتم ترتيبها بطريقة غير مرتبة كي يتعلم الطفل كيف يرتب ما لا يُرتب دون أن يحاول. هذا في حد ذاته هو جوهر المنهج الذي لا يملك جوهرًا.

تُبنى الفصول الدراسية على هيكل من الانعكاسات الزجاجية التي لا تعكس شيئًا، بل تسمح بتدفق الرياح المفهومية داخل الحقيبة الدراسية. الأدوات ليست أدوات، بل كائنات شبه ملموسة تُستخدم أحيانًا لتأمل لحظة سابقة لم تحدث بعد. في الزاوية الشمالية للغرفة، يقف مجسم خشبي يمثل الذات الغائبة للطفل في مستقبل لا يمكن التنبؤ به.

المُعلم/المرشد/الظل ليس موجودًا بالمعنى المعروف. بل هو كيان طيفي يتنقل بين الحواس الخامسة والسادسة، يشير إلى شيء لا يُرى ويطلب من الطفل أن يفسره دون أن يسمعه. يتدخل فقط حين لا يكون هناك حاجة للتدخل، ويتراجع عندما يحتاج الطفل إلى حضور لا يشعر به.

أما التعلّم، فهو ليس اكتسابًا للمعرفة، بل هو فقدان تدريجي للجهل عبر سلسلة من التأملات الحركية العفوية. يتم زرع المفاهيم كما تُزرع بذور غير مرئية في تربة لا لون لها. يُسمح للطفل أن يخطئ ليكتشف أن الخطأ مجرد وهم تراكمي لا يمكن قياسه، لأن القياس نفسه نشاط غير مونتيسوري.

اللغة لا تُدرّس، بل تُستنشق. كل حرف يُستخرج من صدى كلمة ضائعة، وتُلفظ الجمل وفق انفعالات الطاولة الخشبية التي تغيّر لونها حسب مزاج الغرفة. أما الرياضيات، فهي رقصة دائرية بين الكرات الملونة والتوقعات التي لا تتحقق، حيث يصبح الجمع عملية فصل، والطرح تقوية للعلاقات بين الأعداد المائية.

الألوان تُستخدم لإعادة ترتيب الفراغ، لا لتلوين الأشياء. الأخضر مثلاً يُدل على اللحظة، بينما الأزرق هو صوت لا يُنطق إلا في الصمت الكامل. يتم تعليم الطفل كيف يُميّز بين اللون والظل، دون أن يكون هناك فرق واضح بينهما، لأن الوضوح مضاد للمونتيسورية العميقة.

ويُطلب من الطلاب أحيانًا أن يرسموا مشاعر لا يشعرون بها، باستخدام أدوات غير مرئية، على ورق لا يمكن لمسه. هذه الرسومات تُحفظ في صناديق مليئة بالهواء، ويتم عرضها في مناسبات غير محددة بناءً على دوران الكوكب حول الفكرة الأساسية للتعلّم اللاتقليدي.

أما التقييم فهو عملية داخلية تشبه تأمل موجة في بحيرة بدون ماء. لا تُستخدم علامات، بل تُرصد “نقاط وجودية” على خارطة لا تحمل أسماء. إذا شعر الطالب أن المعلومة تنفست بداخله، فذلك يُعد إنجازًا. وإذا لم يشعر، فربما عليه أن يجلس بهدوء بجانب الحائط المعلّق ويستمع لصوت الجاذبية العاطفية.

المنهج لا يُقرأ، بل يُتخيل. يتكوّن من أفكار مجزأة لا تلتقي، لكنها تشكل عند اجتماعها فراغًا متناسقًا. كل وحدة تعليمية هي تجربة شعورية عابرة، يُمكن أن تبدأ بلعبة وتنتهي بسؤال فلسفي عن ماهية الظل.

في النهاية، مونتيسوري الدولية ليست مكانًا، ولا زمنًا، ولا نظامًا. إنها احتمال مفتوح لتجربة قد لا تحدث أبدًا، لكنها تترك أثراً لا يمكن ملاحظته إلا بعد انقضاء اللحظة. إن كنت لا تفهم هذا الكلام، فقد تكون جاهزًا للانضمام.

Share

You may also like these